الشيخ محمد رشيد رضا
95
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وفي الآفاق حتى يتبين لهم انه الحق فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ مبدأ ما هم فيه ولا غايته كما يطلب من الانسان ، وانما ينقادون لغيرهم كما هو شأن الحيوان ولذلك اتبعوا من لا يعقلون ولا يهتدون ، فالعاقل لا يقلد عاقلا مثله ، فاجدر به أن لا يقلد جاهلا ضالا هو دونه . * * * ( 172 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 173 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * * * بين اللّه تعالى حال الذين يتخذون الأنداد من دونه وأشار إلى أن سبب ذلك حب الحطام ، وارتباط مصالح المرءوسين بمصالح الرؤساء في الرزق والجاه ، وخاطب الناس كلهم بان يأكلوا مما في الأرض إذ أباح لهم جميع خيراتها وبركاتها بشرط أن تكون حلالا طيبا . وبين سوء حال الكافرين المقلدين الذين يقودهم الرؤساء كما يقود الراعي الغنم لأنهم لا استقلال لهم في عقل ولا فهم - ثم وجه الخطاب إلى المؤمنين خاصة لأنهم أحق بالفهم ، وأجدر بالعلم ، وأحرى بالاهتداء ، فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ الامر هنا للوجوب لا للإباحة والطيبات ما طاب كسبه من الحلال ، ويستلزم عدم تحريم شيء منها والامتناع عنها تدينا لتعذيب النفس ، وهذا تنبيه بعد ما تقدم إلى عدم الالتفات إلى أولئك الحمقى الذين أبيحت لهم خيرات الأرض فطفقوا يحلون بعضها ويحرمون بعضا بوساوس شياطينهم وتقليد رؤسائهم ، وأعطوا ميزانا يميزون به الخواطر الشيطانية الضارة من غيرها ، فما أقاموا به ولا له وزنا ، وبين لهم الحرام من الحلال ، ولكنهم نفضوا أيديهم من عز الاستقلال بالاستدلال ، وهون عليهم التقليد ذل القيود والاغلال ، فهو يقول كلوا من هذه الطيبات ولا تضيقوا على أنفسكم مثلهم وَاشْكُرُوا لِلَّهِ الذي خلقها لكم وسهل عليكم أسبابها ، بأن